حقيقة لاهوت يسوع المسيح: الفصل الثالث

 

 

حقيقة لاهوت يسوع المسيــح بقلم جوش مكدويل و بارت لارسون

 

الفصل الثالث

  يسوع المسيح يمتلك كل صفات اللـه  

كلّي الوجود 

كلّي  العلم 

كلّي  القدرة

الوجود السابق (الأزلي) 

السرمدية -الأزلية الأبدية 

عدم التغير   

        اللـه فريد. فهو وحده غير مخلوق. وهو خالق الكون كله وحافظه - أي أنه مصدر الخليقة وليس جزءاً منها. نستطيع أن نرى عمل اللـه أو بصماته في الأشياء المخلوقة، لكن عمله ليس جزءاً من اللـه أو اللـه نفسه. على سبيل المثال نقول بأن البشر كائنات شخصية - فنحن نستطيع أن نفكر ونقرر ونتصور ونحب. فنحن مخلوقون على صورة اللـه، الذي   هو نفسه كائنشخصي، لكننا لسنا اللـه.

إذا كان يسوع المسيح هو اللـه حقاً، فلا بد أن يمتلك صفات اللـه ولا يعكسها فقط. سندرس في هذا الفصل خمس صفات مقصورة على  اللـه، ونرى انطباقها على يسوع المسيح.

كلّي الوجود

اللـه موجود فـي كل شيء؛ وكل اللـه (اللـه كاملاً) موجود في كل مكان في كل نقطة في الكون. وهذا هو المقصود بكونه كلّي الوجود. لكن إيماننا بأن اللـه موجود في كل شيء لا يعني أن كل شيء هو اللـه. فعندما نقول بأن اللـه موجود في كل مكان في نفس الوقت، لا يعني أنه موجود في كل شيء حسب المفهوم الهندوسي الذي يقول بأن كل الخليقة بطريقة ما جزء من اللـه. فقد خلق اللـه، على سبيل المثال، الشجرة ولكن الشجرة ليست جزءاً من اللـه.

كما أن اللـه كلي الوجود بمعنى شخصي (مزمور 7:139؛ أمثال 3:15)، وهو بهذا قادر على مساعدة أولاده وتخليصهم ومحبتهم والدفاع عنهم وتسديد أعمق أشواقهم واحتياجاتهم، فإن العهد الجديد يصف المسيح أيضاً بأنه كلي الوجود. قال بولس بأن "الذي نزل هو الذي صعد أيضاً  فوق جميع السموات لكي يملأ الكل (كل شيء)" (أفسس 10:4). وقال المسيح لتلاميذه، "لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم" (متى 20:18). كما قال لهم أيضاً، "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 20:28). كما تقول كلمة اللـه بأن المسيح يسكن قلوب كل الذين يضعون إيمانهم فيه (رومية 9:8؛ غلاطية 20:2؛ أفسس 17:3؛ كولوسي 27:1؛ رؤيا 20:3). ". . . أم لستم تعرفون أنفسكم (لستم تعرفون هذه الحقيقة عن أنفسكم) أن يسوع هو فيكم؟" (2كورنثوس 5:13). فكيف يمكن لشخص فانٍ، سواء كان ممجّداً أم لـم يكن، أن  يدّعي بأنه يسكن في قلوب المؤمنين حول العالـم؟

كلّي العلم

عندما نقول إنّ اللـه كلي العلم، فإننا نعني أن اللـه يعرف كل شيء يمكن أن يُعرف، سواء كان أمراً واقعاً أم محتملاً على مدى الأبدية. يقول روبرت باسانتينو في كتابه "طبيعة اللـه وصفاته":

"معرفة اللـه كاملة وأبدية لكل الأشياء. فاللـه يعرف كل ما هو قابل للمعرفة. وتختلف معرفة اللـه الكلية عن المعرفة التي نكتسبها. فنحن نعرف بالتعلم. أما اللـه فلا يمر بعملية التعلم حتى يعرف. ولا يأتي علم اللـه الكلي نتيجة للتفكير المنطقي أو الاستنتاج أو استخدام الحواس أو التصور أو الاستقراء أو الاستدلال. فمعرفته مباشرة ودقيقة وواضحة تتفق مع حقيقة الأمور. ولا توجد مادة للمعرفة إلاّ ويعرفها اللـه."

ويصور العهد الجديد المسيح على أنه كلي العلم: عالـم بكل شيء - الماضي والحاضر والمستقبل. تقول لنا كلمة اللـه في (يوحنا 24:2،25) بأن يسوع "كان يعرف الجميع" لأنه علم "ما كان في الإنسان." وشهد التلاميذ له قائلين، "الآن نعلم أنك عالـم بكل شيء" (يوحنا 30:16). كما صرّح بطرس، "يا رب، أنت تعلم كل شيء" (يوحنا 17:21)." وتمشياً مع  معرفته الكلية، قال الكتاب المقدس بأنه عرف من سيخونه (يوحنا 64:6).

يقول الدكتور جون والفورد في كتابه "يسوع المسيح ربنا" عن  معرفة المسيح الكاملة:

"وبنفس الطريقة فإن معرفة المسيح السابقة تتأكد لنا في فقرات ومواضع كتابية أخرى (يوحنا 1:13،11؛ 4:18؛ 28:19). وانسجاماً مع علمه الكلي تقول كلمة اللـه بأنه يملك حكمة اللـه (1كورنثوس 30:1). ولا يمكن أن تنسب مثل هذه الصفات حتى إلى أكثر الأنبياء حكمة. فهي تشكل إذاً دليلاً آخر على أنه يمتلك كل الصفات الإلهية."

يقول توماس شولتز:

"تفوق معرفة المسيح أي كائن بشري بمراحل بعيدة. فهو ليس مجرد شخص عبقري أو مجرد أكثر البشر حكمة. إذ تتجاوز حكمته كل المحدوديات أو القيود البشرية ولا يمكن تصنيفها إلاّ كمعرفة كاملة. فهو أولاً: يعرف أفكار الإنسان الداخلية وذكرياته، وهي صفة مميزة للـه (1ملوك 39:8؛ إرميا 9:17-16). رأى الشرّ في قلوب الكتبة (متى 4:9)؛ وعرف مسبقاً الذين سيرفضونه (يوحنا 64:10)، والذين سيتبعونه (يوحنا 14:10). استطاع أن يقرأ قلوب الناس وأفكارهم (مرقس 8:2؛ يوحنا 48:1؛ 24:2،25؛ 16:4-19؛ أعمال 24:1؛ 1كورنثوس 5:4؛ رؤيا 18:2-23). لا يستطيع البشر أن يفعلوا أكثر من تخمين ذكي لما في قلوب الآخرين وأفكارهم. ثانياً: يمتلك المسيح معرفة لحقائق أخرى تتعدى قدرة أي إنسان على استيعابها. فقد عرف مكان السمك تماماً في الماء (لوقا 4:5-6؛ يوحنا 6:21-11)، وعرف أية سمكة تحوي العملة المعدنية (متى 27:17). كما عرف الأحداث المستقبلية (يوحنا11:11؛ 4:18)، والتفاصيل التي سيواجهها (متى 2:21-4)، وعرف بأن لعازر قد مات (يوحنا 14:11). ثالثاً: كانت له معرفة داخلية للذات الإلهية مُظهراً أنّ له أوثق اتصال ممكن مع اللـه. بالإضافة إلى المعرفة الكاملة فهو يعرف الآب كما يعرفه الآب (متى 27:11؛ يوحنا 29:7؛ 55:8؛ 15:10؛ 25:17). رابعاً: يُعلم الكتاب المقدس أنّ المسيح يعرف كل الأمور والأشياء (يوحنا 30:16؛17:21)، وأنّ كل كنوز الحكمة والمعرفة مذّخرة فيه (كولوسي 3:2).

كلّي القدرة

يمكن ترجمة الكلمة العبرية "ايل شدّاي" (El Shaddai) إلى "اللـه القدير." وهي تفيد أنّ اللـه كلّي القدرة أو كامل القوة. وقد شهدت معجزات المسيح لقدرته وقوته وسيطرته على العالـم المادي. لكن كلماته وقيامته تعلنان سلطانه وقدرته على كل الخليقة.

يقول الدكتور جون والفورد:

"إنّ الدليل على قدرة المسيح الكلية حاسم مثله في ذلك مثل بقية الصفات الإلهية. وتأخذ هذه القدرة أحياناً الشكل المادي، لكنها تشير في أحيان كثيرة إلى سلطانه على الخليقة. إذ للمسيح القدرة على مغفرة الخطايا (متى 6:9)، وله كل سلطان (قوة أو قدرة) في السماء وعلى الأرض (متى 18:28)، وله سلطان على الطبيعة (لوقا 25:8)، وسلطان على حياته (يوحنا 18:10)، والقدرة على إعطاء الحياة الأبدية للآخرين (يوحنا 2:17)، والقدرة على أن يشفي الآخرين جسدياً، كما تشهد له معجزاته الكثيرة، بالإضافة إلى قدرته على إخراج الشيطان (مرقس 29:1-34)، والقدرة على تغيير الأجساد البشرية (فيلبي 21:3). وبفضل قيامته "فإنه يقدر أن يُخلّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى اللـه" (عبرانيين 25:7). وهو قادر أن "يحفظ وديعتي (ما أودعتكم إياه) إلى ذلك اليوم" (2تيموثاوس 12:1). "وهو القادر أن يحفظكم غير عاثرين ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج، الإله الحكيم الوحيد مخلّصنا له المجد والعظمة والسلطان الآن وإلى كل الدهور، آمين."   (يهوذا 24؛ قارن مع أفسس 27:5). ويبدو أن النص اليوناني  ليهوذا 25 يوحي بأنّ هذا يحدث من خلال "يسوع المسيح ربنا،" أي أنّ، الذي يحدثه هو اللـه الآب؛ لكن على أية حال فإنّ هناك حاجة لقدرة المسيح. إنّ من الملاحظ أنّ تجسد المسيح وموته وقيامته سمحت له أن يتصرف ويتعامل مع الخطيئة من أجل خلاصنا. لكن قدرته الكلية محدودة ضمن ما هو مقدس وحكيم وصالح (أي أنه لا يقدر أن يرتكب خطيئة لأن ذلك مناقض لطبيعته).

الوجود السابق (الأزلي)

هناك صفة أخرى من صفات المسيح ألا وهي مشاركته للـه في الأزلية. إذ تدعم فقرات كتابية كثيرة وجود المسيح قبل ولادته، ليس كمجرد فكرة في علم اللـه السابق وإنما كوجود حقيقي.

قال يسوع، "خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالـم وأيضاً أترك العالـم وأذهب إلى الآب" (يوحنا 28:16). قال يسوع مراراً بأنه أُرسل إلى هذا العالـم، وقد عنى بذلك أنه كان خارج هذا العالـم (يوحنا 32:3-34؛ 34:4؛ 23:5،24،36-38؛ 29:6، 33، 38؛ 16:7،18، 28،29،33؛ 18:8،29،38،42؛ 20:13؛ 30:16؛ 8:17؛ ... الخ). قال لنيقوديموس، "وليس أحد صعد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء (يوحنا 13:3). وقال "أنا هو ego eimi الخبز الحي الذي نزل من السماء ..." (يوحنا 51:6؛ أنظر أيضاً العدد 58). وقال المسيح، "فإن (فماذا لو) رأيتم ابن الإنسان صاعداً إلى حيث كان أولاً" (يوحنا 62:6). وقال يوحنا المعمدان عن المسيح، "الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، وما رآه وسمعه به يشهد .." (يوحنا 31:3،32).

وصلّى يسوع مرة أخرى، "الآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالـم." (يوحنا 5:17). وقد افترض كاتب الرسالة إلى العبرانيين الوجود السابق للمسيح عندما كتب أنّ موسى حسِبَ عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر" (عبرانيين 26:11).  ويقول الكتاب المقدس في رؤيا 8:13 بأنّ يسوع يملك "سفر الحياة منذ تأسيس العالـم."

أما يوحنا المعمدان الذي ولد قبل المسيح بستة أشهر فقال، "الذي يأتي بعدي صار قدامي (رتبة) لأنه كان قبلي" (يوحنا 15:1،30). يشير العدد الثلاثون بكل وضوح إلى أنّ يوحنا المعمدان كان يقصد يسوع وليس "اللـه." ومن المستحيل أن يكون يوحنا المعمدان يشير هنا إلى أنّ يسوع  كان موجوداً في معرفة اللـه السابقة، كما يعتقد البعض، لأن اللـه الكلي المعرفة عرف يوحنا معرفة سابقة أيضاً.

يتحدث الكتاب المقدس بصوت موحَّد. فيسوع كائن أزلي. وهذا يتفق مع ظهورات اللـه في شكل مادي في العهد القديم. مثلاً تكوين 1:18-19؛ 7:16-13؛ 15:22،16؛ 11:31-13؛ 30:32؛ 15:48،16؛ خروج 2:4-4 (بالإشارة إلى 2:3)؛ 1 أخبار الأيام 15:21-19؛ مزمور 6:34،7؛ زكريا 10:12 (بالإشارة إلى يوحنا 37:19)؛3:14،4 (بالإشارة إلى أعمال 9:1-12). فهذه تشكل بعضاً من الفقرات الرئيسية الكثيرة التي تظهر أنّ اللـه ظهر ظهوراً مادياً.

السرمدية - الأزلية الأبدية

إله الكتاب المقدس إله أبدي. أي أنه يتجاوز الزمن، وهو مصدر للزمن. ولـم يكن هناك زمن لـم يكن فيه اللـه موجوداً. ولن يكون هناك زمن لا يكون اللـه فيه موجوداً (خروج 14:3؛ حبقوق 6:3؛ تثنية 26:33،27). ولا يوجد من هو أبدي إلاّ اللـه.

إنّ يسوع المسيح أيضاً أبدي. لـم تكن له "بداية"، كما يدعي شهود يهوه وجماعة الطريق الدولي أيضاً، (ولحدٍ ما، المورمونيون).

قال النبي ميخا متنبئاً عن ولادة المسيح، "مخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل" (ميخا 2:5). كما تحدث إشعياء عن مولد المسيح فقال إنه يُدعى "أباً أبدياً" (إشعياء 6:9). ويمكن ترجمتها على نحو أفضل إلى "أبا الأبدية." قال يسوع، "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يوحنا 58:8). والنص اليوناني يستخدم هنا صيغة المضارع لا الماضي فهو لـم يقل "أنا كنت." ويوضح ف.ف. بروس قائلاً، "لو كان للمسيح مجرد وجود سابق، لا أزلي أيضاً، لقال: "قبل أن يكون إبراهيم كنت." لكن يسوع مضى خطوة أبعد من ذلك فتحدث عن نفسه باستخدامه تعبير "أنا كائن" أي الأبدي الدائم الوجود.

ويقول جي كامبيل، "تفيد الكلمات "أنا كائن" سرمدية الوجود السابق لكل الجنس العبري، الموجود في الكينونة الأبدية (اللـه)."

ويقدم ويليام باركلي تعليقاً هاماً فيقول،

"يسوع لا زمني. لـم يكن هناك وقت قط دخل فيه المسيح إلى حيّز الوجود، ولن يوجد وقت سيتوقف فيه عن الوجود. لا نستطيع أن نقول عن يسوع "لقد كان." يجب أن نقول دائماً "إنّه يكون" أو "أنه الكائن." نرى في يسوع لا زمنية اللـه، الذي كان إله إبراهيم واسحق ويعقوب، الذي كان قبل الزمن وسيظل بعده فهو دائم الوجود."

عدم التغيير (الثبات)

اللـه غير قابل أو معرض للتغير. فعلى الرغممن أنه يعمل في الزمان، ويؤسس ويغير علاقات في الزمان، فإن جوهره الذي يشمل صفاته لا يتغير أبداً (ملاخي 6:3؛ يعقوب 17:1؛ مزمور 11:33؛ إشعياء 9:46،10). ولهذا نستطيع الاعتماد على محبته لنا اعتماداً أبدياً وعلى حفظه لوعوده. من الواضح أنّ يسوع مرّ في تغيرات تطورية بشرية. أما بالنسبة لطبيعته الإلهية فإن الكتاب المقدس يؤكد بكل شجاعة أن "يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد" (عبرانيين 8:13). وهو يشترك مع الآب في جوهر واحد لا يتغير.

وهكذا فإننا نرى أن هناك أعداداً كثيرة في الكتاب المقدس تكشف أنّ يسوع يمتلك كل صفات اللـه السرمدي.